جلال الدين السيوطي

119

الأشباه والنظائر في النحو

بعدها فيكون الأول لا يتناول الثاني نحو قوله : « جاءني رجل لا امرأة » و « جاءني عالم لا جاهل » ، ولو قلت : « مررت برجل لا عاقل » لم يجز ، لأنّه ليس في مفهوم الكلام الأول ما ينفي الفعل عن الثاني ، وهي لا تدخل إلّا لتأكيد النفي فإن أردت ذلك المعنى جئت ب « غير » فتقول : « مررت برجل غير عاقل » و « غير زيد » ، وغير ذلك و « مررت بزيد لا عمرو » ، لأنّ الأول لا يتناول الثاني » . وقد تضمّن كلام الأبّدي هذا زيادة على ما قاله السّهيلي وأبو حيّان ، وهي قوله : إنّها لا تدخل إلّا لتأكيد النّفي ، وإذا ثبت أنّ « لا » لا تدخل إلّا لتأكيد النفي اتّضح اشتراط الشرط المذكور ، لأنّ مفهوم الخطاب يقتضي في قولك : « قام رجل » نفي المرأة ، فدخلت « لا » للتصريح بما اقتضاه المفهوم . وكذلك « قام زيد لا عمرو » أمّا : « قام رجل لا زيد » فلم يقتض المفهوم نفي زيد ، فلذلك لم يجز العطف ب « لا » لأنّها لا تكون لتأكيد نفي بل لتأسيسه وهي وإن كان يؤتى بها لتأسيس النفي فكذلك في نفي يقصد تأكيده بها بخلاف غيرها من أدوات النفي ك « لم » و « ما » وهو كلام حسن . والأبّدي هذا كان أمّة في النحو حتى سمعت الشيخ أبا حيّان يقول : إنّه سأل أحد شيوخه عن حدّ النحو فقال له : الأبّدي ، يعني أنّه تجسّد نحوا « 1 » ، وإنّما قلت هذا لئلّا يقع في نفسك أنّه لتأخّره قد يكون أخذه عن السّهيلي . وأيضا تمثيل ابن السرّاج فإنّه قال في ( كتاب الأصول ) : « وهي تقع لإخراج الثاني ممّا دخل فيه الأول وذلك قوله : « ضربت زيدا لا عمرا » ، و « مررت برجل لا امرأة » و « جاءني زيد لا عمرو » « 2 » فانظر أمثلته لم يذكر فيها إلا ما اقتضاه الشرط المذكور . وقد يعترض على الأبّدي في قوله : إنها لا تذكر إلا لتأكيد النفي . ويجاب بأنّه لعلّ مراده أنّها للنفي المذكور بخلاف « ما » و « لم » و « ليس » ، فلذلك اختيرت هنا ، أو لعلّ مراده أنّها لا تدخل في أثناء الكلام إلّا للنفي المؤكّد ، بخلاف ما إذا جاءت أول الكلام قد يراد بها أصل النفي كقوله : ( لا أقسم ) وما أشبهه ، والأول أحسن . وأيضا تمثيل جماعة من النحاة منهم ابن الشجري في ( الأمالي ) ، قال : « إنّها تكون عاطفة فتشرك ما بعدها في إعراب ما قبلها ، وتنفي عن الثّاني ما ثبت للأول كقولك : « خرج زيد لا بكر « ، و « لقيت أخاك لا أباك » و « مررت بحميك لا أبيك » « 3 »

--> ( 1 ) انظر بغية الوعاة ( 2 / 199 ) . ( 2 ) انظر أصول ابن السرّاج ( 2 / 57 ) . ( 3 ) انظر أمالي ابن الشجري ( 2 / 227 ) .